[X]إغلاق

قراءة تحليلية لمسرح سعد الله ونوس …”الأيام المخمورة لونوس في زمن التحولات” نموذجاً

شارك الخبر معانا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بقلم أيمن دراوشة.. الأردن

في ستة وعشرين فصلاً جاءت مسرحية سعد الله ونوس ” الأيام المخمورة ” وجاء بكل فصل عنوان ، وتدور أحداث الرواية حول عائلة متمدِّنة ثرية تتشابك فيها الأحداث وتتأزَّم عبر متاهات وفجوات ، رسمها الكاتب بدقة متناهية ، ووصف دقيق مختصر في تشابك الحقيقة مع الخيال.

ولو عدنا إلى عنوان المسرحية ” الأيام المخمورة ” لفاضت لدينا الكثير من التفسيرات لهذا العنوان المثير ، إنَّها حقاً أيام مخمورة تتمايل وتترنَّح لتسقط جثة هامدة عند اصطدامها بالحقيقة ، وأية حقيقة ؟!

إنَّه زمن التحولات والترنُّح بالشهوة والإباحية التي فرضتها الظروف آنذاك.

ومن المفارقات التي احتوتها المسرحية أنَّ الشخص الفاسد المرتشي هو مَنْ يصل إلى أعلى المراتب ، أمَّا ذاك الذي يعمل بتفان ٍ وإخلاص فمصيره مشؤوم ، فلننظر إلى شخصية عدنان مثلاً ، هذه الشخصية المثالية التي ترفض الغنى بأساليب مخالفة للدين والعادات والتقاليد ، فآلت حاله في النهاية إلى فعل دام ٍ.

لقد مثَّلت لنا هذه المسرحية نقداً لاذعاً للمجتمع الذي يعج بالفساد والرذائل ، متخذة شكل التراجيديا أو المأساة ، وهي بذلك تعالج قضية هامة ، وموضوعاً جادًّا ” إنَّه صراع الإنسان مع القدر ” و ” صراع الإنسان مع أخيه الإنسان ” و ” صراع الإنسان مع نفسه “.

فالقضية الأساسية هنا لا تتمثَّل في استخلاص الأفكار التي من أجلها أقام الكاتب عمله هذا ، بمقدار ما تتمثَّل لنا مواجهة عمل فني يحتوي عناصر مختلفة مهمتها رصد الكيفية التي صاغ بها الكاتب عمله ، والوسائل التي ساهمت في بنائه ، وقد بنى الكاتب مسرحيته على فكرة ظاهرة هي : مأساة الإنسان وتمزِّقه في الوصول إلى الحقيقة عبر طرق شائكة ، وليس طريقاً واحداً ، وهذا ما حدث مع الحفيد أحد شخوص المسرحية الذي أراد أنْ يبحث عن الحقيقة أو ” الدُّمَّل ” الذي يتستَّر عليه الكل ، فوجد ” الدُّمَّل ” دمامل والوصول إلى الحقيقة يتم عبر متاهات ودهاليز متشعِّبة.

إلا أننا نغفل عن كثير من قيم المسرحية باعتبارها عملاً فنيِّاً إذا اعتبرنا أنَّ سعد الله ونوس اتخذ هذه القضية وسيلة لإبراز آرائه في الحياة ، وأهملنا التفكير الاستيعابي الشامل الذي يتحقق من خلال جزئيات المسرحية وعناصرها المختلفة.

فشخصية سناء مثلا ً تعاني من اضطراب وتردد إلا أنَّ الكاتب استغل هذه الشخصية وأعطاها بعداً رمزياً آخر هو بعد تجريدي غامض نوعاً ما، هذا البعد يكتشف شيئاً من خلال الحركة الدرامية للشخصيات والأحداث ، ومن خلال الحوار وما يحمله من ظلال وأبعاد.

ولنعد إلى شخصية سناء… الشخصية التي تثير انتباه القارئ ، فهل يمكن تفسير هذه الشخصية المعقَّدة والإحاطة بكل جوانبها النفسية وأبعادها الفكرية بمعزل عن الشخصيات الأخرى ، على الرغم من أنَّها لا علاقة لها في عملية الأحداث.

وينبغي ملاحظة شيء آخر هو أنَّ بعض الشخصيات مثل سلمى لا تتخذ خطاً واحداً في المسرحية ، بل نجد المعنى لشخصها يتغير تغيراً مستمراً ، فقد ترمز إلى الشيء ونقيضه فسلمى في البداية توثقت علاقتها بأخيها سرحان ، وأدارا معاً شبكات مشبوهة ، لكنها تصبح رمزاً للجذور الأصيلة بعودتها إلى لغتها الأم وكرهها للإنجليز وتخليها عن اللغة الفرنسية.

هناك شيء آخر أنَّ كل شخصية من شخصيات المسرحية تمثِّل فكرة واضحة ، فشخصيتا عدنان وسونيا يمثلان فكرة واضحة تلتزم خطاً واحداً في المسرحية ، وربما يمثلان مستوى رمزياً آخر.

فإذا كان عدنان ذلك الإنسان المضطرب نتيجة مشكلة مستعصية ، ذلك الإنسان الذي ذهب ضحية عدم التوازن واضطراب الرؤية ، فإنَّ حركته في المسرحية وحواره مع الشخصيات الأخرى جعلته يكتسب بعداً آخر ارتفع به من حيث هو إنسان عادي يعاني من المشكلات التي يعاني منها البشر ، أو باعتباره رمزاً للمأساة ، حيث يصبح رمزاً لقضية اجتماعية سائدة إلى الآن ” قضية الشرف والأمانة والإخلاص “.

وفيما يتعلق بشخصية المرأة أو الجنية التي لازمت سناء فهذه الشخصية الوهمية ربما رمزت إلى الوسواس واوجه الآخر لسناء ، وبها تجلى الصراع الداخلي العنيف.

أمَّا ليلى فهي لم تعد شخصية إنسانية أحبَّت شامل الدركي ، لكن هذا الحب وظَّفه الكاتب حتى تستطيع ليلى بواسطته الوصول إلى أمِّها والخلاص من الجحيم الذي تعيشة.


شارك الخبر معانا

عن حسن زغلول

موبايل بين       -          ترافيل بين        -        فيزتك        -      تموين مصر          -             كورة بين

x

‎قد يُعجبك أيضاً

صحيفة العربي تصدر موسوعتها العربية في الشعر والقصة والمقالة لكبار الكتاب

شارك الخبر معانا كتب أيمن دراوشة  تصدر الآن صحيفة العربي موسوعتها العربية في الشعر والقصة ...