السبت , 20 يناير 2018
عاجل مصر اون لاين
نموذج مشرف

نموذج مشرف

منذ يومين قرأت عن فتاة تقوم بعمل النقاشة ( طلاء الحوائط ) , لكي تتحصل علي مصدر دخل . وبالطبع هي لم تولد ومعها هذا العمل ولم تتوارثه , ولكنها قامت بتعلم تلك الحرفة والتي يراها البعض صعبة . وعلمت أيضا أنه توجد سائقة ميكروباص تعمل من أجل تربية أولادها .
ربما يجد البعض أن ذلك عاديا , ولكنه غير عادي لأنه يحدث في أقصي صعيد مصر , في بلدتي نجع حمادي . ربما كان من فترة ليست بعيدة خروج المرأة للعمل حتي كموظفة عيب . وينظر لها البعض علي أنها متحررة ولا تعتني بالقيود الصعيدية . ولكن حاليا أصبحت المرأة في كل مجال تعمل , حتي أصعب المهن .
وذلك بخلاف النساء التي كانت ولا زالت تعمل في مهن بسيطة ولكنها تحتاج إلي صبر ووقت , كالعمل ببيع الخضروات أو التفصيل أو غير ذلك أو صناعة الأجبان والسمن وبيعها أو صناعة المشغولات اليدوية .
ومنذ أسبوع وأنا بالقطار في طريقي إلي أسوان , دخل شابين في محطتين مختلفتين وكان كل منهما يحمل مجموعة من الزجاجات العطرية ليبيعها للركاب ,وذلك في القطار المكيف , وليس في قطار الركاب العادي .
ومن وجهه نظري توجد أكثر من مشكلة , فهذا الشخص عبأ كل عربة القطار بالروائح الثقيلة والتي تصيب بالحساسية , وربما لا يعرف معايير التركيبات , وربما بعضها يسبب ضرر أو أمراض , وربما يكون لص ويقوم بذلك لتخدير الركاب وسرقتهم .
وربما هو شاب حاصل علي مؤهل عالي ولا يجد فرصة عمل بمؤهله فأضطر للعمل بتلك المهنة . ولكن أمام كل ذلك يبقي السؤال .
أين حماية الدولة لهؤلاء الشباب ؟ ومنحهم تراخيص للصناعة تلك العطور , أو أين حماية الدولة للمواطن من ضرر تلك الصناعات الغير مرخصة ؟ .
وبالرغم من تضارب الأفكار , فهو شئ يدعو للإحترام لشخص يعيش من عمل يده , والمشكلة ليست في ذلك , إنما المشكلة في الذين يجلسون ويستهلكون طاقاتهم في الجلوس بلا عمل وبلا دراسة . و كل ما يفعلونه هو الحديث عبر باقات التليفون والتي تمنح دقائق كثيرة , وبالطبع أحاديث تافهه يمكن إختصارها إلي خمس أو عشر دقائق فقط .
أو يجلسون خلف شاشات الحاسوب لكي يكتبون علي وسائل التواصل أن الغلاء مستمر .بالرغم أنهم يعيشون حياة أفضل من غيرهم بكثير .
هؤلاء الناس لا يعملون ولا يريدون أن يعملوا , دائما يريدون أن توفر لهم الدولة كل شئ , ولا يقارنون أنفسهم بمن هم مثلهم في الدول الأجنبية . ولا يريدون حتي أن يعرفوا كيف يعيش الذين مثلهم من الأجانب .
فأقول لهم أن البلاد التي تريدون مقارنة أنفسكم بها , الشاب والفتاة فيها يعملون من سن السادسة عشر , ومهما كان مستواهم الأسري فأنهم يعملون في المحلات والمولات , والمطاعم , ولا يستحيون أن يعملون كنادل أو بائع جرائد . لأنهم مؤمنون أن العمل واجب وفرض , ولا ينتظرون أن يمدوا أيدهم لأهاليهم للإنفاق عليهم .
ولكنكم لا تقلدونهم في العمل , تقلدونهم فقط في إرتداء الملابس الممزقة , ووضع الزينة .
كما أن الرجال والنساء الذين لديهم أسرة في تلك الدول , لا يقضون كل عمرهم في العمل ليل ونهار لكي يوفروا لأبنائهم ثروات ويبنون لهم شقق ,ومصانع .
ولكنهم يعملون ويعيشون علي قدر عائد أعمالهم . فلا يعمل الفرد منهم في أكثر من مهنة لكي يشتري أثاث ويكدسه بالمنزل , أنهم يعيشون كل وقت بوقته , يعرفون معني الأجازة , ومعني أن يصطحبوا أولادهم للنزهه ويتحدثون معهم ويعيشون حياتهم في هدوء.
لا تجد موظف في شركة أو مدرس في مدرسة , ويعمل نجارا ولا كهربائيا , ويتهرب من عمله الذي يضمن أنه فيه راتبه ومعاش بعد بلوغه الستين , ليذهب لتحسين دخله من عمله الآخر .
لا يوجد هناك هذا الطمع , فهناك يختار الشخص ما يحب عمله وفقط , لا يريد أن يحصل علي الوظيفة من أجل الحصول علي معاش , وبنفس الوقت يعمل حائك للملابس لأنها المهنة المحببة له .
أنه يترك أحداهما لشخص آخر .
في تلك الدول ليسوا مسلمين ولكنهم يتعاملون بكل تعاليم الأسلام . فمن الطبيعي جدا أن يترك شخص شئ لا يريده , لأنه لديه بديل , ويترك هذا الشئ لشخص آخر محتاج له .
ولكننا هنا في بلادنا نحتفظ بكل شئ , ونقنع أنفسنا أن مالا نحتاجه اليوم قد نحتاجه غدا , نعمل للدنيا بكل قوة لدينا , ولا نعمل للآخرة بأي إيثار أو تضحية .
في تلك الدول لا يطبخون إلا ما يأكلون وفقط , ولا يشترون إلا ما يستعملون . في هذه الدول لا يقضون معظم وقتهم في الحديث عن الناس وعن عيوب الناس ويتركون عملهم , ولا ينفقون أغلب وقتهم في الحديث عبر الهاتف .
في تلك الدول لا يطحن الإنسان نفسه من أجل أن يترك لأبنه ثروة ثمنها حرمانه هو نفسه من الإستمتاع بالحياة , فهناك كل شخص يقوم بعمل حياته بنفسه ويعيش علي حسب دخله , والأبن هو الذي يصنع حاضره ويعيشه , لا يلغي حاضره من أجل مستقبل أبنه .
المشكلة لدينا أن الذين يغضبون ويشتكون من إرتفاع الأسعار هم المقتدرون , والذين يغضبون من أرتفاع سعر المكالمات هم الذين يقضون كل وقت فراغهم في الكلام .
صحيح نحتاج أن تساند الدولة من يعمل وتعاون من يريد العمل وتوفر دراسات جدوي , ووقت ومكان , وبعض المال للذين يريدون عمل مشاريع صغيرة .
نريد أن توفر الحماية الصحية والعلاج المجاني لغير القادرين وغير القادرات فعلا علي تكاليف العلاج , ولكننا كمجتمع نحصل بالواسطة علي سرير في مستشفي بالرغم من مقدرتنا المالية , ولكن لأننا فقط أقارب أو اصدقاء مع مدير أو طبيب بالمستشفي في الوقت الذي يموت فيه شخص لأنه لا يوجد له قريب يوفر له مكان او دواء مجاني بالمستشفي .
نحن ينقصنا الضمير , وينقصنا القناعة وعدم الطمع , وعدم الحصول علي الشئ من باب الإستخسار , وليس من باب الإحتياج .
قرأت علي النت قرية صغيرة قامت بتجفيف الملوخيه وتصديرها , ونظرا لنجاح المشروع وتحقيق عامل ربح مرتفع أطلقت علي الملوخية الذهب الأخضر . وأصبحت تصدر كمية كبيرة جدا لأغلب الدول بالخارج . طبعا لم يكن يفكر شخص أن الملوخية ممكن أن تحقق تلك الأرباح . ولكن نظرة الذين يريدون العمل والتكسب الحلال تختلف .
أنا أعشق تلك الأيدي التي تحول التراب إلي ذهب ,أنا طبعا لا أتحدث حديث خيالي , ولا أقترح أشياء بعيدة عن المنطق , ولكنني أثق بالله أنه لا يرد شخصا أراد الحياة من عرق جبينه في حلال لإن الله كريم يساند من يسعي .
ولمن يقول لماذا لا تقوم الدولة بتعيين الخريجين في مصالح حكومية تناسب تخصصهم . نعم ذلك دور الدولة ويوجد تقصير ولكن حل تلك المشكلة والتي حدثت من تراكم سنوات أنعدم فيها الضمير وكان كل شخص يقول أنا فقط ,ولم يهتم المسئولون ببناء مدارس ولا مستشفيات ولا مصالح تستوعب الأعداد الدائمة التزايد .
هو دور الدولة والتي يوجد بها حاليا بطالة مقنعة لعدد كبير من البشر . ولكن أين دوري أنا في محاولة الحصول علي قوت يومي , لماذا أحب أن أخذ مالا مقابل جلوسي في مكتب بلا عمل , وأطلب من الله أن يبارك لي .
لابد أن تساعد الدولة الصناعات الصغيرة , وأن تمنحها الترخيص لكي يعمل أصحابها في النور بطريقة صحيحة وليس فيها ضرر علي الآخرين , يجب أن يكون الحصول علي ترخيص من الأمور الميسرة . لابد أن تعيد الدولة ترتيب أوراقها لمساعدة الشباب علي العمل الجاد . ولابد أن يتغير المواطن ليعرف كيف تكون الحياة .

 
بقلم / كواعب أحمد البراهمي

ajax loader - نموذج مشرف

Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Email this to someonePrint this pageشارك مصر اون لاين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

*