[X]إغلاق

مفهوم العبادة الصحيح وشروطه واركانه

شارك الخبر معانا

 

بقلم الدكتورة / سامية الحريرى

ترى هل حاول أيّا منا أن يبحث فى مفهوم العبادة الصحيح؟ سؤال كثيرًا ما راودني، وكثيرًا ما كنت أبحث له عن إجابة.
ترى ما هى العبادة الصحيحة؟ وما الغاية منها، وما هى شروط العبادة، وما هى أركانها؟ هل هى ممارسة دينية؟ أم هى تأدية لمجموعه من الطقوس، والمعتقدات؟ وما هى الأسس التى تستند عليها؟

قال تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” [البقرة:21] وقال عز وجل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] وقال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء]:25
تُعرّف العبادة في اللغة بأنها: مصدر عَبَدَ، وعَبَدْتُ اللهَ أَعْبُدُهُ عِبَادَةً؛ أي بمعنى الانقِيَادُ وَالخُضُوع، وهى أيضا بمعنى التذلل، والخضوع فيقال طريق معبد أي مذلل ذللته الأقدام.
وقال الزجاج (ومعنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع) وقال الجوهري (أصل العبودية: الخضوع والتذلل، وقد عرّفها ابن تيمية بأنّها: (طاعة الله المُتمثّلة بامتثال ما أمر به وأخبر به عنه الرّسل والأنبياء)، وهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، وعرفها ابن القيم بأنها: كمال المحبة مع كمال الذل .

وعرفها الشيخ بن سعدى فقال: العبادة والعبودية لله اسم جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من العقائد، وأعمال القلوب، وأعمال الجوارح؛ فكل ما يقرب إلى الله من الأفعال، وترك ما يغضب الله عبادة ولهذا كان تارك المعصية لله متعبداً متقرباً إلى ربه بذلك.

إن الباعث الأساسي للعبادة هو استحقاق الله تعالى، لذلك فنحن نعبد الله جل وعلا لأنه مستحق للعبادة ومستحق للتعظيم والتوقير تحقيقا للغاية التي من أجلها خلق الإنس والجن، كما قال الله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] فهو المستحق الوحيد للعبادة لعظم فضله علينا أجمعين. ومن أهم شروط قبول العبادة هو إخلاص القلب والنية لله تعالى وصحة العمل، وتنفيذ أوامر الرحمن، والابتعاد عن نواهيه، وأركان العبادة هى محبة الله تعالى: والتي تحدد صلة العبد بخالقه، وتتوقف على وقور الحب الإلهى فى القلب، والتلذذ به، وهى الاستبشار بوجود الخالق، والفرح والاستئناس به وإدراك مدى كرمه وفضله، والثقة به. ‏ ‎‎

وفي زماننا هذا انقلبت الموازين، واختلفت المفاهيم، حتى اعتقد كثير من المسلمين بأن العبادة هي الشعائر الدينية، والفرائض الوقتية، حتى ضاعت الأمة، وغرقت فى الذل والهوان والضعف والتقهقر، وهيهات أن تعود لمجدها وقوتها حتى يستقر المفهوم الصحيح “للعبادة”، ويطبق بشكل دقيق، لأن النجاح والتقدم لا يتحقق الا بعد العلم والفهم والتطبيق.

وإذا كانت العبادة غاية الوجود الإنساني, كما هي غاية كل الوجود, وهى منتهى الأمل فى الدنيا، وهى طريق النجاة فى الآخرة، فإن مفهومها لا يقتصر على المعنى المقصور غير الواضح، والذي يضيق نطاقها، حتى يجعلها محصورة فقط بعدد من الشعائر.

وعليه يجب أن يكون مفهوم العبادة أشمل وأعم فكل ما يحبه الله، ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، إذا صحت النية، وأحبها الله، وارتضاها فهي عبادة، وكذلك أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر، بل تبسمك في وجه أخيك، وإماطة الأذى عن الطريق، والحياء عبادة، وصلة الأرحام وبر الوالدين، وحسن العشرة والأخوة في الله، والصدق في الحديث والاخلاص فى العمل واتقانه، والتسامح مع الآخرين، وحسن الخلق، وتجنب مواطن الشبهة والريبة، إلى غير ذلك من التعاملات والسلوكيات والعلاقات الاجتماعية، وكذلك سعيك للعلم والعمل به فى ارض الله .
وفى قوله تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] معنى قوى وجلى وواضح وما دام أن الله سبحانه وتعالى خلق الثقلين لعبادته فهذا يدل على أن العبادة هي الأصل، وهى سر الوجود وهى هدف الاهداف وهى منتهى الامل وأن التّوحيد هو مجملها وفحواها لو تساءلنا عن الأهداف الكبرى التي خُلق من أجلها الإنسان، ماهي؟ يمكننا جمعها في هدفين كبيرين هما عبادة الله، وعمارة الأرض.
من وجهة نظرى المتواضعة، اعتقد أن هذا هو تصور واضح، وشامل للعبادة في الإسلام.. فقد تحدث د. ماجد الكيلاني عن ثلاثة اتجاهات في العبادة: اتجاه ديني شعائري.. اتجاه اجتماعي.. اتجاه كوني وهذا الرأي أجد نفسى إليه أميل، وسوف اقوم بتوضيح العلاقة بين هذه الاتجاهات الثلاثة، كى يتضح لنا ما هو المعنى الدقيق للعبادة، وحيث أن الاتجاه الديني الشعائري يتمثل في ممارسة الشعائر الدينية، بينما يتمثل الاتجاه الاجتماعي في علاقة الفرد بمجتمعه، وبغيره من الأفراد، أما الاتجاه الكوني فينظم علاقة الإنسان بالكون، مدى إداركه وعلمه بمكونات هذا الكون، ويتطلب معرفة جيدة به وبالأخص العمل لإعمار الأرض، قال تعالى: {هو أنشأكم من الأرض، واستعمركم فيها } لذلك وجب تكامل وتساند هذه الاتجاهات كي لا يصاب التدين بنوع من القصور وعدم الفهم وحينما يحدث الفصل والتضارب بين كلا من أى هذه الاتجاهات تحدث الأزمة حينما ينفصل البعض بقصر العبادة على أداء الشعائر الدينية فقط مع إهمال الجانب الاجتماعى، والجانب الكونى تصبح العبادة طقوسا بلا روح، ويتقهقر المجتمع فكريًا وأخلاقيًا واقتصاديًا فقد قال تعالى {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، أولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون } (البقرة:177)
وفى هذه الآية الكريمة حدد الرحمن معنى البر، حيث أنه ليس شعائر وصلوات فقط، وإنما يدخل معه الإيمان، ومساعده الآخرين والإحسان إليهم، وهذا يمثل جانب اجتماعى ثم الوفاء بالعهد وهذا جانب اخلاقى والبر يدخل فى مضمون العباده ولا ينفصل عنها.

واذا كان هناك فصل بين الجانب المعنوى والأخلاقى لمعنى العبادة، والجانب الكونى زاد الإحساس بالمادية وزادت حالة الانفصام فى المجتمع، وفى حالة ما إذا طغى الاهتمام بالجانب الكونى كبعض الدول المتقدمة البعيدة عن تعظيم شعائر الله فهى تتقدم علميًا ولكنها تسخر علمها لإنتاج الأسلحة والدمار، مما يصل الجميع لحالة الصراع الدائم التى تتنافى مع الهدف من الخلق، والهدف من العبادة.
وازدياد حالة الصراع بين الجانب المجتمعى، والكونى يخلق التمرد والبعد عن الاخلاقيات وسحق والتراحم والتآخى، كما أن ضياع المعنى الحقيقى، والمفهوم الحقيقى للعبادة هو أيضا ما يتسبب فى خلق حالة من عدم الفهم والتفسير الخاطيء لبعض الآيات، وهو أيضا ما يخلق حاله من التردى وانقسامات كثيرة، وحالات من التطرف والتشدد قد تصل بالبعض للبطش والقتل وإراقة الدماء باسم العبادة، (وهذا هو ما يسمى بالإرهاب الذى تعانيه مجتمعاتنا فى وقتنا هذا).

لو قمنا بفحص لهذه المليارات من البشر، على وجه الأرض، فماذا نجد بمقياس ومفهوم العبادة الصحيحة، وعمارة الأرض الحقه والنافعة؟ سنجد أعداد قليلة جدًا تعبد الله تعالى كما أراد وأمر، وكما فهموا ووعوا، وأقل منها تشتغل في عمارة الأرض. هؤلاء فعلًا هم من رحم ربى.

إذن العبادة الحقه بمفهومها الصحيح هى السبيل لصلاح الدنيا والدين، وكافه الاكوان والمجتمعات، وأن مفهوم العبادة الشامل هو السبيل لكل أوجه الإصلاح النفسى والإنسانى والروحانى الفردى والمجتمعى والكونى حيث أن كل عمل يقوم به الفرد أو تقوم به الجماعة شريطة رضا الله سبحانه وتعالى يدخل في إطار العبادة.


شارك الخبر معانا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

موبايل بين     ترافيل بين      فيزتك     تموين مصر